منتدى أوقاف الانبـــــــار الثقـافــــي


اسلامي~~~ اجتماعي ~~~ ثقافي ~~~
 
الرئيسيةس .و .جالتسجيلدخول
الشيخ عبدالله جلال مخلف يبارك لجميع الفائزين بمسابقة قارئ الانبار للقران الكريم ومنشد الانبار للنشيد الاسلامي ويتمنى لهم دوام الموفقية والنجاح الدائم~~حيث فاز بمسابقة قارئ الانبار القارئ ابراهيم السعدون من قضاء هيت ~~ وفاز بمسابقة منشد الانبار الشيخ علي حمد علي من قضاء الفلوجة ~~~~ فالف مبروك لهما ولجميع الفائزين بالمراكز العشرة الاولى
تعلن مديرية الوقف السني في الانبار عن تسير رحلة العمرة لبيت الله الحرام مع المتعهد الحاج عبدالعزيز المعاضيدي ~~ يوم السبت الموافق 9/6/2012 بعد صلاة العشاء من الاماكن المحددة ~~~ الاولى حي المعلمين ~~الثانية حي التاميم ~~ الثالثة من امام جامع الدولة ~~ فلذالك نسترعي الانتباه ~~ متمين لكم رحلة موفقة واعمال ثابتة باذن الله تعالى ~~ منتدى اوقاف الانبار الثقافي

شاطر | 
 

 الإسلام منهج وسط للأمة الوسط

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
EMAN HAMED

avatar

عدد المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 22/01/2012
العمر : 28
الموقع : IRAQ

مُساهمةموضوع: الإسلام منهج وسط للأمة الوسط   الأربعاء مارس 07, 2012 4:30 pm

الإسلام منهج وسط للأمة الوسط، وهو يمثل (الصراط المستقيم)، في كل مجال من المجالات، ويجسد التوازن والاعتدال في كل شيء: في العقيدة، وفي العبادة، وفي الأخلاق، وفي المعاملات والتشريعات كلها، بعيدا عن الغلو والتفريط.
وقد تحدثنا عن هذه (الوسطية) بشيء من التفصيل في كتابنا: (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف) ورسالتنا: (ظاهرة الغلو في التكفير).
وتحدثنا عن (الفكر الوسطي) أو (التيار الوسطي) ومعالمه وملامحه: في عدة كتب منها: (أولويات الحركة الإسلامية) و(في فقه الأولويات) و(الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي) و(مستقبل الأصولية الإسلامية) وغيره.
حتى لاحظ بعض الدارسين: أن عددا من عناوين كتبي يتضمن كلمة (بين) التي كثيرا ما تدل على وسط بين طرفين، مثل (الفقه الإسلامي: بين الأصالة والتجديد) (الفتوى : بين الانضباط والتسيب) (الاجتهاد: بين الانضباط والانفراط) (الثقافة الإسلامية: بين الأصالة والمعاصرة) (ثقافتنا: بين الانغلاق والانفتاح).. الخ.
وأنا الآن أسعى إلى تكوين جمعية ثقافية، أسميتها (جمعية الأمة الوسط في الفكر والثقافة) مهمتها: أن تورث (الفكر الوسطي) للأجيال الصاعدة عن طريق الدعوة والتثقيف والتعليم والتربية، بطريقة مؤسسية عصرية. وأدعو الله أن يرى هذا المشروع النور قريباً.
وإنما عنيت بهذا الأمر كل هذه العناية، لأني أرى هذا الفكر أو هذا الاتجاه: هو طوق النجاة للدعوة الإسلامية، بل للأمة الإسلامية كلها. وهو الجدير أن يمضي بها في الطريق الصحيح، الذي يوصل إلى الغاية المنشودة، وهي الرقي بالأمة ماديا وروحيا، والعودة بها إلى دفة القيادة للبشرية، بما لديها من رسالة ربانية إنسانية أخلاقية عالمية، متكاملة متوازنة.
كما أني أرى الإعراض عن هذه الوسطية هو الهلاك بعينه، والضياع في الدين والدنيا معا. سواء كان هذا الإعراض جنوحا إلى جانب التسيب والانفلات، وهو جانب التفريط والتقصير، بـإضاعة الصلوات، واتباع الشهوات، والسير في ركاب شياطين الإنس والجن، وباعة الفجور، ومروجي الإلحاد والانحلال، ودعاة المادية المجحفة، والإباحية المسرفة: فهلاك هؤلاء محتم وفق سنن الله تعالى، (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون) (1).
أم كان الإعراض عن الوسطية جنوحا إلى جانب الغلو والتنطع والتشدد، وهو جانب الإفراط أو التطرف، كما يسمونه اليوم. وهو الشائع - للأسف - بين عدد من الفصائل المنسوبة إلى الصحوة الإسلامية. وقد صرح الحديث النبوي بأنه سبب الهلاك للأمة، كما قال (ص): "إياكم والغلو في الدنيا، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين"(2) . وقال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً(3) . وهو لا يكرر الكلمة إلا لعظم خطر مضمونها. والمتنطعون: هم المتشددون المتعمقون المبالغون في التزامهم بالدين بما يخرجهم عن الحد الوسط.
والخير كل الخير في التوسط والتوازن بين الغلو والتقصير، أو بين الإفراط والتفريط، أو بين (الطغيان والإخسار) على حد تعبير القرآن: (والسماء رفعها ووضع الميزان: إلا تطغوا في الميزان. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) (4) .
والطغيان: تجاوز حد الوسط، إلى جانب الغلو والإفراط، والإخسار: هو تجاوزه إلى جانب التقصير والتفريط.
والمنهج المطلوب هو (الهدي القاصد) كما عبر عنه في حديث شريف.
عن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: خرجت ذات يوم لحاجة، وإذا أنا بالنبي(ص) يمشي بين يديّ، فأخذ بيدي، فانطلقنا نمشي جميعا، فإذا نحن بين أيدينا رجل يصلي، يكثر الركوع والسجود، فقال النبي (ص): أتراه يراني؟ فقلت: الله ورسوله أعلم! فترك يده من يدي، ثم جمع يديه، فجعل يصوبهما يرفعهما، ويقول: "عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا! فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه"(5) .
ولا تنتقل الصحوة الإسلامية المعاصرة من المراهقة إلى الرشد، إلا بتبني هذا الهدي القاصد أو هذا المنهج الوسطي، الذي لا طغيان فيه ولا إخسار.
وتتجلى هذه الوسطية في مواقف شتى، أساسها: رفض الغلو والتفريط. وهو ماوقع فيه كثير من الناس.

انحسار الوسطية في بعض الفترات:
إن بعض الإسلاميين قد انحصرت عنده الألوان الكثيرة في لونين اثنين لا ثالث لهما، هما الأپيض والأسود، وليس بينهما ألوان أخرى، مما يعرفه الناس من الألوان الأصلية والفرعية، التي لكل منها درجات لا تكاد تحصر.
وبعض هؤلاء يكاد يحصر الألوان كلها في واحد، ويجعل الأصل في الألوان كلها وفي الحياة كلها هو: (السواد) تبعا للمنظار الذي يرى فيه الناس الأشياء.
وبهذه النظرة السوداء المتشائمة: حدد أجوبة جاهزة لكل شيء، يطلقها كالقنبلة، ولا يبالي ما أصابت من الحياة والأحياء.
فالمجتمع جاهلي كله..
والحياة إثم كلها..
والناس كلهم كفار، أو منافقون.
والعالم كله وحوش.
وكل ما يمارسه الناس في حياتهم المعاصرة من لهو وفنون: حرام في حرام .
هذا مع أن سلف الأمة كانوا يتحرجون أشد الحرج، من إطلاق كلمة (الحرام) إلا على ماعلم تحريمه جزما، ولهذا نزل في ذم الخمر آيتان إحداهما في سورة البقرة (قل فيهما إثم كبيرٌ ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) (6) . والثانية في سورة النساء (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) (7) . ومع هذا ظل بعض الصحابة يشربها، وظل بعضهم يقول: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، حتى نزلت آية المائدة الحاسمة: (فاجتنبوه لعلكم تفلحون) (Cool ..
يجب أن نعترف أن الفترة الماضية - وخصوصا في الخمسينيات والستينيات - كانت مجالا خصبا لانتشار نوع من الأفكار السوداء في الساحة الإسلامية.
فقد غلب الفكر الذي ينزع إلى الرفض والتشاؤم والاتهام، وسوء الظن بالآخرين، على اختلاف نزعاتهم واتجهاتهم، حتى المسلمين منهم.
أجل، راجت فكرة التفسيق والتبديع(9)، بل التكفير.. وساعد على ذلك: الجو الخانق الذي كانت تعيشه الحركة الإسلامية ورجالها ودعاتها، الذين نصبت لهم المشانق جهرة، أو قتلوا بأدوات التعذيب خفية، أو صبت عليهم ألوان التنكيل والتشريد من كل جهة، في حين: فتحت الأبواب أمام الشيوعيين والعلمانيين وكل خصوم الإسلام.
في هذه المرحلة: ظهرت كتب الشهيد سيد قطب، التي تمثل المرحلة الأخيرة من تفكيره، والتي تنضح بتكفير المجتمع واتهامه بالجاهلية، وتأجيل الدعوة إلى النظام الإسلامي، والسخرية بفكرة تجديد الفقه وتطويره، وإحياء الاجتهاد وتدعو إلى العزلة الشعورية عن المجتمع، وقطع العلاقة بالآخرين، وإعلان الجهاد الهجومي على الناس كافة، والاستخفاف بدعاة التسامح والمرونة، ورميهم بالسذاجة والهزيمة النفسية أمام الحضارة الغربية.
يتجلى ذلك أوضح مايكون في تفسير الشهيد (في ظلال القرآن) في طبعته الثانية، وفي (معالم في الطريق) ومعظمه مقتبس من (الظلال) وفي (الإسلام ومشكلات الحضارة) وغيرها. وهذه الكتب كان لها فضلها وتأثيرها الإيجابي الكبير، كما كان لها تأثيرها السلبي.
كما ظهرت كتب المدعو له بالرحمة والمغفرة: الشيخ سعيد حوّى، وهي تتبنى نفس الفكرة، وتسير في هذا الخط ذاته.
وفي نفس الوقت: راج فقه من سميتهم: (الظاهرية الجدد)، الذين ينسبون أنفسهم أو ينسبهم الناس إلى: (السلفيّة) أو بعبارة أخرى: مدرسة ابن تيمية وتلامذته، وهم كانوا أبعد الناس عن (الحرفية) والجمود على (الصورية والشكلية)، التي يستقتل هؤلاء في التمسك بها. حتى كاد الإسلام يحصر في لحية طويلة، وثوب قصير، بالنسبة للرجل، ونقاب على وجه المرأة.
ونرى هؤلاء الإخوة الأفاضل يشعلون معركة في أواخر كل رمضان: ضد الذين يخرجون صدقة الفطر نقدا ويصرون على إخراجها من الحبوب والأطعمة. وإن لم ينتفع بها الفقير، لأنه لم يعد يطحن أو يعجن أو يخبز. وقد أجاز إخراج القيمة: عدد من سلف الأمة. ولهم فتاوي ومواقف كثيرة من هذا النوع.
وبهذا غلب على الفكر الإسلامي : الإعنات والتصلب، وتقهقرت روح الوسطية السمحة الميسرة إلى حين. وأعتقد أن الحركة لابد لها من التغلب على فكر المحنة، أو فكر الأزمة، لتنتقل إلى فكر العافية، ومن فكر (مدرسة الظواهر) إلى فكر (مدرسة المقاصد) ومن فكر الجنوح إلى الغلو إلى التسيب، إلى: الفكر الوسطي المعتدل، المعبر عن وسطية الأمة المسلمة، ووسطية المنهج الإسلامي: الذي أراد الله به اليسر، ولم يرد به العسر(10) .

اهتمامي بمقاومة الغلو:
لقد شغلتني قضية: (الغلو الديني) - أو التطرف الديني ، كما أطلق عليها في بعض الفترات - باعتبارها جزءا من (ترشيد الصحوة) وتسديد مسيرتها، حتى لا تتآكل من الداخل، أو تضرب من الخارج.
وقد ألفت كتابا خاصا، في دراسة ظاهرة الغلو والتطرف الديني، نشرته مجلة: (الأمة) ضمن كتبها الدورية، وهو الكتاب الثاني في سلسلتها، وأعنى به كتاب: (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف) وفيه حددت مفهوم التطرف وعلاماته المميزة، كما ألقيت الضوء على: أسباب التطرف الفكرية والاجتماعية والسياسية.
ثم عرضنا لسبل العلاج كما نراها، وختمنا بوصايا ونصائح أبوية للشباب الذين يتهمهم من يتهمهم بالتطرف.
ويهمني في هذا الكتاب: أن أنقل فقط ملاحظتين مهمتين حول مفهوم التطرف أو الغلو، الذي يفسره كل اتجاه بما يحلو له، وما يخدم فكرته، حتى إن بعض البلاد تعتبر من يحرص على الصلاة في المسجد: متطرفا، ومن ترتدي الحجاب - أي تغطي رأسها بالخمار - متطرفة.

الملاحظة الأولى:
أن مقدار تدين المرء، وتدين المحيط الذي يعيش فيه، من حيث القوة والضعف، له أثره في الحكم على الآخرين: بالتطرف، أو التوسط، أو التسيب.
فمن المشاهد أن من كانت جرعته من التدين قوية، وكان الوسط الذي نشأ فيه شديد الالتزام بالدين، يكون مرهف الحس لأي مخالفة أو تقصير يراه، حتى إنه ليعجب أن يوجد مسلم لاحظ له من قيام الليل، أو صيام النهار، وفي هذا ورد القول المأثور:
"حسنات الأبرار، سيئات المقربين".
ويحضرني هنا ماقاله أنس بن مالك لمعاصريه من التابعين: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في اعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله (ص) من الموبقات!
وكانت عائشة (رض) ؛ تنشد بيت لبيد بن ربيعة:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم وبقيت في خلْف كجلد الأجرب!
وتقول: رحم الله لبيدا، كيف لو عاش إلى زماننا هذا؟ وقد عاشت إلى عهد بني أمية، وماتت في زمن معاوية وكان ابن أختها عروة بن الزبير، وقد عاش بعدها زمناً: ينشد البيت، ويقول: رحم الله لبيدا ورحم الله عائشة، كيف لو عاشا إلى زماننا هذا؟!
وفي مقابل هذا: نجد الشخص الذي قلّ زاده من التدين علماً وعملاً، أو عاش في محيط تجرأ على محارم الله وتنكر لشرائعه، ويعتبر التمسك بالحد الأدنى من الدين: ضرباً من التعصب أو التشدد.
وكلما زادت مسافة البعد بينه وبين الدين: زاد استغرابه بل إنكاره، بل اتهامه لكل من يستمسك بعروة الدين، ويلجم نفسه بلجام التقوى، ويسأل في كل شيء يعرض له أو يعرض عليه: حلال هو أم حرام؟
وكثير من أولئك الذين يعيشون في أوطاننا بأسماء إسلامية، وعقول غربية، يعتبرون مجرد الالتزام بأوامر الله ونواهيه تطرفا دينيا!
وكثير ممن غزته الأفكار والتقاليد الأجنبية: يعتبر الذين يتمسكون بآداب الإسلام: في المأكل، والمشرب، والملبس، والزينة ونحوها: غاية في التطرف والتعصب!
لقد رأينا من يعتبر الدعوة إلى تحكيم شريعة الله، وإقامة دولة الإسلام في أرض الإسلام: تطرفا في الدين!
ورأينا من يرى الغيرة على الدين وحرماته، والأمر بالمعروف إذا ضُيع، والنهي عن المنكر إذا وقع، تطرفا في الدين، وتدخلا في الحرية الشخصية للآخرين!
ورأينا من يرى أن اعتبار الآخرين من غير المؤمنين بدينه كفاراً: تعصب وتطرف، مع أن أساس الإيمان الديني يعتقد المؤمن أنه على حق، وأن مخالفيه على باطل، ولا مجاملة في هذه الحقيقة.
بل رأينا من يعتبر الحرص على الصلاة في المسجد: تطرفا وغلوا في الدين! ومن يرى لبس المسلمة الخمار على رأسها: غاية في التطرف، بل جريمة تعاقب عليها بالحرمان من دخول المدرسة والجامعة والتوظيف في مؤسسات الدولة، ودخول مستشفيات الحكومة، ولو للولادة!!

والملاحظة الثانية:
أنه ليس من الإنصاف، أن نتهم إنسانا بالتطرف في دينه لمجرد أنه اختار رأيا من الآراء الفقهية المتشددة، مادام يعتقد أنه الأصوب والأرجح، ويرى أنه ملزم به شرعا، لأنه ليس مسؤولا إلا عما يراه ويعتقده هو، وإن شدد بذلك على نفسه، بل حسبه أن يرى أن ذلك هو الأفضل والأروع، وإن لم يكن فرضا ولا واجبا، إذا كانت همته لا تقف عند حد الفرائض، وإنما يتقرب إلى الله تعالى بالنوافل حتى يحبه.
ومن حقائق الحياة: أن الناس يتفاوتون في هذه القضية، فمنهم المتساهل الميسر، ومنهم المتشدد المعسر، وقد كان في الصحابة المترخص كابن عباس، والمتشدد كابن عمر(رض).
ويكفي المسلم في هذا المقام: أن يستند رأيه الذي تبناه إلى مذهب من المذاهب المعتبرة عند المسلمين، أو يعتمد على اجتهاد صحيح قائم على استدلال شرعي سليم؛ فإذا كان هناك من أئمة المذاهب المتبوعة من يقول: بوجوب إعفاء اللحية وتركها وحرمة حلقها، فهل يوصف بالتطرف من اقتنع بهذا المذهب وأخذ به، وطبقه على نفسه، لأنه خالف رأيي ورأيك ورأي زيد وعمرو من العلماء، ولا سيما المعاصرين؟ وهل من حقّنا؟ أن نصادر حق امرئ في ترجيح رأي على آخر، وبخاصة أنه يتصل بحياته وسلوكه هو، لا بحياة غيره؟!
إن جمعاً غفيرا من علماء السلف والخلف، رأوا أن على المرأة المسلمة أن تستر جميع بدنها ماعدا وجهها وكفيها، فقد اعتبروهما مما استثني في قوله تعالى: (لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) (11)، وأكدوا ذلك بأحاديث ووقائع وآثار.. ورجح ذلك: كثيرون من علماء عصرنا، وأنا منهم(12) .
ولكنّ عددا آخر من العلماء المرموقين، ذهبوا إلى أن الوجه والكفين عورة يجب سترها، واستدلوا على ذلك بنصوص من القرآن والحديث والآثار، وأخذ بقولهم كثيرون من علماء هذا العصر، وخصوصا في باكستان والهند والسعودية وأقطار الخليج، وأرسلوا نداءاتهم إلى كل فتاة تؤمن بالله واليوم الآخر: أن تلبس النقاب، ليستر وجهها، والقفاز ليستر يديها.
فهل تدمغ بالتطرف فتاة أو سيدة آمنت بهذا المذهب، واعتبرته جزءا من دينها؟ أو يدمغ به رجل دعا إلى ذلك ابنته أو زوجته فاستجابت؟ وهل يحق لنا أن نجبر هذا أو ذاك أو تلك على التنازل عما يعتقده شرع الله، ونلزمه أن يبيع الجنة ويشتري النار، إرضاء لخاطرنا، وفرارا من تهمة التطرف؟
ومثل ذلك يقال فيمن يتبني الآراء المتشددة في الغناء أو الموسيقى أو الرسم والتصوير وغيرها، مما يخالف اجتهادي شخصيا في هذه الأمور، واجتهاد عدد من علماء العصر البارزين، ولكنه يتفق مع آخرين من علماء المسلمين: متقدمين ومتأخرين ومعاصرين.
والواقع أن كثيرا مما ينكر على من نسميهم (المتطرفين)، مما قد يعتبر من التشدد والتنطع، له أصل شرعي في فقهنا وتراثنا، تبناه بعض العلماء المعاصرين، ودافعوا عنه ودعوا إليه، فاستجاب لهم من الشباب المخلص من استجاب، رجاء رحمة الله تعالى وخوفا من عذابه، وذلك كلبس الثوب (الجلباب) بدل القميص والبنطلون، وتقصيره إلى مافوق الكعبين، والامتناع عن مصافحة النساء، وغيرها.
ومن هنا: لا نستطيع أن ننكر على مسلم، أو نتهمه بالتطرف، لمجرد أنه شدد على نفسه، وأخذ من الآراء الفقهية بما يراه أرضى لربه، وأسلم لدينه، وأحوط لآخرته.
وليس من حقنا أن نجبره على التنازل عن رأيه، ونطالبه بسلوك يخالف ما يعتقده ويدين الله به، كل ما نملكه: أن ندعوه بالحكمة، ونحاوره بالحسنى، ونقنعه بالدليل، عسى أن يدخل فيما نراه أهدى سبيلا، وأقوم قيلا(13) .

مظاهر الغلو ودلائله:
فما التطرف أو الغلوّ إذن، وما دلائله ومظاهره؟
أستطيع أن أذكر هنا عدة دلائل ومظاهر أساسية تنبئ عن: الغلو أو التطرف:
1- عدم الاعتراف بالرأي الآخر:
إن أولى دلائل الغلو أو التطرف: هي التعصب للرأي تعصبا، لا يعترف معه للآخرين بوجود، وجمود الشخص على فهمه جمودا لا يسمح له برؤية واضحة لمصالح الخلق، ولا مقاصد الشرع، ولا ظروف العصر، لا يفتح نافذة للحوار مع الآخرين، وموازنة ما عنده بما عندهم، والأخذ بما يراه بعد ذلك أنصع برهانا، وأرجح ميزانا.
ونحن هنا: ننكر على صاحب هذا الاتجاه ما أنكرناه على خصومه ومتهميه، وهو محاولة الحجر على آراء المخالفين وإلغائها.
أجل، إننا ننكر عليه حقا، إذا أنكر الآراء المخالفة ووجهات النظر الأخرى، وزعم أنه وحده على الحق، ومن عداه على الضلال، واتهم من خالفه في الرأي: بالجهل واتباع الهوى، ومن خالفه في السلوك: بالفسوق والعصيان، كأنه جعل من نفسه نبيا معصوما، ومن قوله وحيا يوحى!

2- إلزام جمهور الناس بالعزائم والتشديد:
ومن دلائل الغلو: الغفلة عن تفاوت الناس، وأن فيهم الضعيف والقوي، وأخذهم جميعا بالعزائم والشدائد، مع عدم رعاية ظروفهم في هذا العصر، الذي لا يعين أهله على حسن الالتزام.
وقد قبل الرسول من بعض الناس: الالتزام بالفرائض وحدها، لايزيد عنها ولا ينقص، وقال: أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق.
بل جعل الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر.
بل القرآن يدل على أن مجرد اجتناب الكبائر يُكفر الصغائر (إن تجتنبوا كبائر ماتنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) (14) ..
ولهذا قلت: إن بحسبنا في هذا الزمن من المسلم: أن يؤدي الفرائض، ويبتعد عن الكبائر، لنعتبره في صف الإسلام وأنصاره.

3- التشديد في غير محله:
ومن مظاهر الغلو: استصحاب التشديد في غير مكانه وزمانه، كأن يكون في غير دار الإسلام، وبلاده الأصلية، أو مع قوم حديثي عهد بالإسلام ، أو حديثي عهد بتوبة.
فهؤلاء ينبغي التساهل معهم في المسائل الفرعية، والأمور الخلافية، والتركيز معهم على الأصول قبل الفروع، والكليات قبل الجزئيات، وأخذهم بالتدرج الحكيم، كما تدرج الإسلام مع أهل الجاهلية في فرض الفرائض، وفي تحريم المحرمات.
ولقد رأيت الإخوة الذين ذهبوا إلى البوسنة والهرسك، وغيرها من البلاد التي رزحت تحت الحكم الشيوعي طويلا، يطالبونهم أول ما يطالبونهم: أن يلتحي الرجال، وتتنقب النساء!
ورأيت آخرين: يقيمون معارك في أمريكا وأوروبا، من أجل قضايا خلافية لا تستحق مثل هذه الضجة، لو كانوا يعلمون.

4- الغلظة والخشونة:
ومن دلائل الغلو: الخشونة في الدعوة، والغلظة في الأسلوب، والفظاظة في التعامل، على خلاف مادعا إليه القرآن والسنة، من انتهاج الرفق واللين والرحمة في دعوة الناس ومعاملتهم، وقد خاطب الله تعالى رسوله فقال: (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك) (15) ..ذلك لأن الناس لا يطيقون الفظ والغليظ، ولو كان هو رسول الله المؤيد بالوحي، فكيف بغيره من الناس؟
إن آفة كثير من أپناء الصحوة: أنهم يتعاملون مع أقاربهم وجيرانهم، بل مع آبائهم وأمهاتهم بخشونة وعنف، وأنهم يجادلون مخالفيهم بالتي هي أخشن، لا بالتي هي أحسن، كما أمر الله، ولذلك ينفّرون ولا يبشّرون.

5- سوء الظن بالناس:
ومن دلائل الغلو كذلك: سوء الظن بالناس، وقد حذّر الله ورسوله منه، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم) (16) . وفي الصحيح: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" متفق عليه عن أپي هريرة.
وأصل هذا كله: هو الغرور والإعجاب بالذات، والازدراء للغير، وهذه أول معصية ظهرت في الأرض، وهي معصية إبليس، حين تمرّد على السجود لآدم، ورفض أمر ربه، وقال: أنا خير منه.
وفي الحديث: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"(17) .
وفيه : "إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس، فهو أهلكهم"(18) .
روي بفتح الكاف على أنه فعل ماض، أي هو أهلكهم، أي تسبب في هلاكهم بعجبه بنفسه، وسوء ظنه بهم، وتيئيسهم من روح الله تعالى.
كما روي بضم الكاف، أي فهو أشدهم هلاكا بغروره بنفسه، وسوء ظنه بالناس، واتهامه لهم واستعلائه عليهم.

6- السقوط في هاوية التكفير:
ويبلغ هذا الغلو غايته، حين يسقط في هاوية (التكفير) ، ويري نفسه ومن على شاكلته: هو المسلم، وسائر المسلمين من حوله: كفارا، إما لأنهم مرقوا من الإسلام وارتدوا عنه بسوء أعمالهم ومعاصيهم، التي تخرجهم من الملة في رأيه، وإما لأنهم لم يدخلوا في الإسلام أصلا، كما يقول بعضهم، لأنهم لم يفهموا مدلول (لا إله إلا الله).
وهذا ما سقط فيه الخوارج قديما، وما وقعت فيه جماعات التكفير حديثا، فهم يكفرون الحكام، ويكفرون العلماء، لأنهم موظفون في دولة الحكام، ويكفرون الجماهير، لأنهم سكتوا على كفر الحكام، فالتكفير عندهم بالجملة، وهو أمر خطير لأنه يترتب عليه استحلال الدماء والأموال(19) ، وهو ما سنعالجه في محور مستقل:من العنف والنقمة، إلى الرفق والرحمة، في هذا الموضوع.
وقد أصدرت من قديم رسالتي: (ظاهرة الغلو في التكفير) لمقاومة هذه الموجة الطاغية المدمرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

مقاومة التفريط والتسيب أيضاً:
وكما يجب علينا مقاومة تيار الغلو والتطرف، والتحذير منه، فإن علينا أن نقاوم تيار التفريط والتقصير والتسيب، والتحذير منه أيضاً، وكما قال السلف: يضيع هذا الدين بين الغالي فيه والجافي عنه.
ولهذا ألفت كتابي: (الفتوى بين الانضباط والتسيب) محذرا من الذين يفتون بغير علم، ويقولون على الله مالا يعلمون، أو الذين يصدرون فتواهم، اتباعا لهوى النفس، أو أهواء الغير، سواء كان هؤلاء الغير حكاماً وأمراء يُرجون ويخشون، أم كانوا من الجماهير: الذين يلتمس كثير من الناس رضاهم وكسب ثنائهم، وفي رأيي: السعي لإرضاء الجمهور أشد خطرا من العمل لإرضاء الحكام.
كما أصدرت كتابي: (الاجتهاد بين الانضباط والانفراط) محذرا من الاجتهاد غير المنضبط بضوابط الشرع، وهو الذي لا يصدر من أهله في محله، وأهله هم الذين استكملوا شروط الاجتهاد وأدواته، التي أصلها وفصلها الأصوليون في كتبهم، وبينتها في كتابنا: (الاجتهاد في الشريعة الإسلامية) وهي: المعرفة الناضجة بالقرآن وعلومه، والسنة وعلومها، والرسوخ في اللغة العربية وتذوقها ومعرفة دلالاتها الإفرادية والتركيبية، ومعرفة المجمع عليه والمختلف فيه، ومعرفة أصول الفقه ولاسيما القياس وعلته وشروطه، وممارسة الفقه والغوص فيه حتى تكون له ملكة الفقيه، ومعرفة الناس والحياة والعصر، والإلمام بثقافته، حتى يتمكن من معرفة الواقع، ويمكنه أن يحكم له أو عليه.
وقد حذرت من مزالق الاجتهاد، وضربت له أمثلة شتى، كما وضعت المعالم اللازمة لاجتهاد معاصر قويم.
إننا نحذر هنا: من تيارات الانفراط والتسيب، التي تريد أن تذيب الأمة المسلمة في غيرها، وأن تتخلى عن هويتها ومقوماتها وخصائصها، وتسير وراء الأمم القوية في الأرض، وتتبنى حضارتها بخيرها وشرها، وحلوها ومرها، كما قيل، وأن تتبع سننها شبرا بشبر، وذراعا بذراع.
ونحن نريد: أن نبقي على الأمة ذاتيتها وتميزها، مقتبسين من غيرنا أفضل ما عنده: من الآليات والتقنيات ونحوها من المباحات، مما لا يؤثر على عقائدنا ولا على قيمنا، ولا على محكمات شرائعنا، وأساسيات سلوكنا.
وإن كنا لا نركز هنا كثيرا على قضية التفريط أو التسيب، لأنها ليست من أمراض الصحوة، لكن من أمراضها وآفاتها: ركوب متن الغلو والتطرف، الذي افترس بعض فصائلها التي ركبت الشطط، وارتكبت الغلط، والخير كل الخير في الوسط.

معالم تيار الوسطية:
ولقد سألني عدد من الإخوة عن: (المعالم المميزة) لتيار الوسطية، الذي عرفت به، ودعوت إليه، ولازلت أدعو إليه، وأؤمن بأنه: المخلص والملاذ للأمة من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
وقد ذكرت هذه المعالم مجملة مركزة في بعض الأحيان، ومبينة مفصلة في أحيان أخرى، ولا بأس أن أجمع بين النهجين هنا، فأوجز هذه المعالم، ثم أبينها بما يتسع له المقام.

معالم الفكر الوسطي بـإيجاز:
تتيمز وسطية هذا الفكر : في موقفه المعتدل من قضايا كبيرة مهمة:
فهو وسط بين دعاة المذهبية الضيقة، ودعاة اللامذهبية المنفرطة.
وسط بين أتباع التصوف وإن انحرف وابتدع، وأعداء التصوف، وإن التزم واتبع.
وسط بين دعاة الانفتاح على العالم بلا ضوابط، ودعاة الانغلاق على النفس بلا مبرر.
وسط بين المحكّمين للعقل: وإن خالف النص القاطع، والمغيبين للعقل: ولو في فهم النص.
وسط بين المقدسين للتراث، وإن بدا فيه قصور البشر، والملغين للتراث، وإن تجلت فيه روائع الهداية.
وسط بين المستغرقين في السياسة على حساب التربية. والمهملين للسياسة كلية بدعوى التربية.
وسط بين المستعجلين لقطف الثمرة قبل أوانها، والغافلين عنها حتى تسقط في أيدي غيرهم بعد نضجها.
وسط بين المستغرقين في الحاضر الغائبين عن المستقبل، والمبالغين في التنبؤ بالمستقبل كأنه كتاب يقرؤونه.
وسط بين المقدّسين للأشكال التنظيمية كأنها أوثان تعبد، والمتحللين من أي عمل منظم كأنهم حبات عقد منفرط .
وسط بين الغلاة في طاعة الفرد: للشيخ والقائد كأنه الميت بين يدي الغاسل، والمسرفين في تحرره كأنه ليس عضوا في جماعة.
وسط بين الدعاة إلى العالمية دون رعاية للظروف والملابسات المحلية، والدعاة إلى الإقليمية الضيقة دون أدنى ارتباط بالحركة العالمية.
وسط بين المسرفين في التفاؤل متجاهلين العوائق والمخاطر، والمسرفين في التشاؤم فلا يرون إلا الظلام، ولا يرقبون للظلام فجرا.
وسط بين المغالين في التحريم كأنه لا يوجد في الدنيا شيء حلال، والمبالغين في التحليل كأنه لا يوجد في الدين شيء حرام.
وسط بين الذين ينكرون الإلهام مطلقا، فلا يعترفون بوجوده، ولا بأثره.. والذين يبالغون في الاعتداد به، حتى جعلوه مصدراً للأحكام الشرعية.
وسط بين دعاة التشدد ولو في الفروع والجزئيات.. ودعاة التساهل ولو في الأصول والكليات.
وسط بين فلسفة المثاليين الذين لا يكادون يهتمون بالواقع.. وفلسفة الواقعيين الذين لا يؤمنون بالمثل العليا.
وسط بين دعاة الفلسفة "الليبرالية" التي تعطي الفرد وتضخمه على حساب المجتمع.. ودعا الفلسفة الجماعية "الماركسية" التي تعطي المجتمع وتضخمه على حساب الفرد.
وسط بين دعاة الثبات ولو في الوسائل والآلات.. ودعاة التطور ولو في المبادئ والغايات.
وسط بين دعاة الثبات ولو في الوسائل والآلات.. ودعاة التطور ولو في المبادئ والغايات.
وسط بين دعاة التجديد والاجتهاد وإن كان في أصول الدين وقطعياته.. ودعاة التقليد وخصوم الاجتهاد وإن كان في قضايا العصر التي لم تخطر ببال السابقين.
وسط بين الذين يهملون النصوص الثابتة بدعوى مراعاة مقاصد الشريعة.. والذين يغفلون المقاصد الكلية باسم مراعاة النصوص.
وسط بين دعاة الغلو في التكفير حتى كفّروا كل المسلمين المتدينين.. والمتساهلين فيه ولو مع صرحاء المرتدين.
هذه هي الوسطية التي تبناها هذا الفكر، وإن كان الغالب على مجتمعاتنا اليوم: السقوط بين طرفي الإفراط والتفريط، إلا من رحم ربك، وقليل ماهم.

المعالم الأساسية لتيار الوسطية
لتيار الوسطية معالم أساسية: يحسن بنا أن نذكرها هنا، حتى يستبين هذا التيار لأصحابه أولا، ولمن يريد أن يعرفه ثانياً، ليتميز من تيار الغلو، وتيار التسيب.
وقد قال تعالى: (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) (20).
فإذا كانت استبانة سبيل المجرمين مطلوبة، فكذلك استبانة سبيل أهل الحق، حتى يتبين الرشد من الغي.
وسبيل أهل الحق يتمثل فيما سماه القرآن: (الصراط المستقيم)، وقال علي ابن أپي طالب(ع): عليكم بالنمط الأوسط، الذي يلحق به التالي، ويرد إليه الغالي.
وأهم هذه المعالم هي:

1- تبني التيسير والتبشير:
من معالم "الفكر الوسطي" البارزة: أنه يتبنى التيسير والتبشير، التيسير في الفقه والفتوى، والتبشير في الدعوة والتوجيه، كما شرحناه من قبل، في محور سابق.
في حين يتبنى تيار الغلو: التعسير والتنفير أبدا، منهجه التشديد والتعسير في الفتوى والأحكام، في العبادات أو في المعاملات، للأفراد أو للجماعات، وكذلك التخويف والتهريب في الدعوة، فهو يسوق الناس إلى الله، بسياط الخوف والرهبة، أكثر مما يقودهم إليه: بزمام الرحمة والمحبة.
والتيسير الذي نركز عليه هنا هو: التيسير في الفروع، على حين يتشدد تيار الوسطية في الأصول (أي الثوابت)، ولا يتهاون فيها، وبهذا نرى أن الوسطية أبدا ملازمة للتيسير والتبشير، وكل من يتبنى المنهج الوسط: تبنى معه - لا محالة - منهج التيسير والتبشير.
وهو ما وفقني الله تعالى إلى اتباعه، عملا بالمنهج النبوي، الذي دعا إليه الرسول الكريم قولا، وطبّقه عملا، فكان أكثر الناس تيسيراً في فتاويه، وأعظم الناس تبشيراً في دعوته.
وينكر النبي (ص) على من أفتى بعض أصحابه بوجوب الاغتسال من الجنابة وبه جراحة، فتفاقم عليه الجرح حتى مات، فقال عليه الصلاة والسلام "قتلوه قتلهم الله! هلا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العيّ: السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم"(21) .
وكان من أوصافه عليه الصلاة والسلام: أنه ماخيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، مالم يكن إثما(22) .
والناس في عصرنا: أشد حاجة إلى التيسير من أي عصر مضى، لغربة الدين، وقلة اليقين، وكثرة المغريات بالشر، والعوائق عن الخير. فيلزم الفقيه والداعية أن يقود الناس إلى طاعة الله، وأداء فرائضه بالتيسير عليهم.
وليس معنى التيسير: أن نقسر النصوص قسراً على التيسير، فهذا مالا نقصده قطعاً، ولكن المقصود: أن نتبنى من الآراء والأقوال ماهو أرفق بالناس، وما يخفف عنهم. فلو كان هناك قولان متكافئان أو: أحدهما أحوط والآخر أيسر: أفتينا عموم الناس بالأيسر.
وأما التبشير، فإني أرى كثيرا من الدعاة في عصرنا يغلـّبون جانب الترهيب على الترغيب، والتخويف، على الترجية، ويسوقون الناس إلى الله بعصا الخوف، بدل أن يحركوهم بزمام الرجاء.
وقد شكا إليّ بعض الآباء المثقفين: أن ابنته أمست - منذ مدة - تقوم من النوم فزعة، من رؤى مخيفة تراها في نومها. وذلك بعد أن سمعت شريطا عن (عذاب القبر) لبعض الوعاظ، يشتمل على كثير من (التخويفات) التي نراها في الغالب تعتمد على أحاديث ضعيفة، وربما كانت شديدة الضعف أو موضوعة.
ومن يقرأ القرآن الكريم لا يجد فيه هذه المبالغات، بل يجده يمزج الخوف بالرجاء، والرهب بالرغب، والوعيد بالوعد، والبطش بالرحمة، مزجاً رائعا متوازناً.
اقرأ قوله تعالى: (اعلموا أن الله شديد العقاب، وأن الله غفور رحيم) (23).
(وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب) (24) .
(غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول) (25) .
(إن بطش ربك لشديد. إنه هو يبدئ ويعيد. وهو الغفور الودود) (26) .
(وفي الآخرة عذاب شديد، ومغفرة من الله ورضوان) (27) .
(نبئ عبادي: إني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأًليم) (28) .
وفي هذه الآية نجد أنه تعالى جعل المغفرة والرحمة من أسمائه، والعذاب من أفعاله لا من أسمائه.
ولهذا: كانت بدايات الفاتحة، وسور القرآن: (بسم الله الرحمن الرحيم) لإشاعة جو الرحمة لا جو البطش والقهر(29) .

2- الجمع بين السلفية والتجديد:
وثاني خصائص تيار الوسطية: أنه يجمع بين السلفية والتجديد أو بين الأصالة والمعاصرة كما يقال اليوم.
فالسلفية تعني: العودة إلى الأصول، إلى الجذور، إلى المنابع، وهي تتمثل في العودة: إلى القرآن والسنة.
والتجديد يعني: المعايشة للعصر، والمواكبة للتطور، والتحرر من إسار الجمود والتقليد.
ولابد من إلقاء شيء من الضوء على هذين المفهومين: السلفية والتجديد.
فكثيرا ما نفهم خطأ، حيث يحسب أنها العودة إلى الماضي بـإطلاق، ولو كان ماضي عصور التخلّف والانحراف والجمود.
ولكن المصطلح الإسلامي لا يجعل (السلف) مطلق الماضين، بل السلف هم أهل القرون الأولى، خير قرون هذه الأمة، وأقربها إلى تمثيل الإسلام: فهما وإيمانا وسلوكا والتزاما، ومن عدا هؤلاء يسمون (الخلف).
وليس معنى العودة الى ما كان عليه السلف: أن نكون نسخاً (كربونية) لهم. بل المهم أن نتمثل منهجهم وروحهم في فهمهم وسلوكهم، وتعاملهم مع الدين والحياة.
ومن الخطأ الذي يجب تصحيحه هنا: اعتبار الرسول المؤيد بوحي الله من جملة (السلف)، واعتبار القرآن والسنة: من جملة (التراث)، واعتبار الإسلام كله من جملة (الماضي)!!
وهذا خلط شائن بين المفاهيم، أو تحريف للكلم عن مواضعه عمدا.
إن الإسلام ليس ماضياً انقضى وانتهى زمنه، نحاول أن نستعيده. إن الإسلام هو الماضي، وهو الحاضر، وهو المستقبل، والقرآن هو كلمات الله الهادية الباقية على طول الزمان وامتداد المكان.
وربما يستبعد كثير من الناس أن يرحب الدين بالتجديد، فالدين عندهم يمثل القديم الذي لا يتجدد ولا يتطور.
وأؤكد هنا بكل صراحة: أن نبي الإسلام نفسه هو الذي علمنا أن الدين يتجدد، وأن الله يهيء له مجددين بين حين وآخر، وذلك في الحديث الذي رواه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، وغيرهما، أنه (ص) قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"(30) .
وإذا صرح الرسول الكريم بتجديد الدين، فلا يحق لزيد أو عمرو من الناس اليوم أن يقول: إن الدين لا يقبل التجديد، فليس هو أعرف بالدين ممن بعثه الله به.لكن المهم هو تحديد مفهوم التجديد ومجاله وحدوده.
وقد يحسب بعض الناس أن هناك تعارضاً حتمياً بين السلفية والتجديد. فالسلفية الرجوع إلى الماضي، والتجديد انطلاق إُلى المستقبل.
ورأيي عكس ذلك تماماً، أي أن هناك تلازما بين السلفية الحقيقية والتجديد الحقيقي. فروح السلفية هو التجديد. وكلما رجعنا إلى العهود الأولى: عهود الصحابة والتابعين وأتباعهم، وجدنا المرونة واليسر والتسامح، وسعة الأفق في فهم نصوص الدين ومصالح الدنيا، وفي التوفيق بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية.
وكلما تدرجنا - تنازليا - من عصر إلى عصر، بعدنا عن المرونة والتيسير والتجديد، ودخلنا في دائرة (الأحوط) بدل دائرة (الأيسر) ، وجنحنا إلى الظواهر أكثر من ميلنا إلى المقاصد، حتى إذا انتهينا إلى العصور المتأخرة، وجدنا الجمود والتقليد، والوقوف عند أقوال المتقدمين، الذين نهوا عن تقليدهم، واتخاذ أقوالهم واجتهاداتهم شرعاً يتبع، ودينا يطاع.
بل أكثر من ذلك: أنهم اتبعوا أقوال المتأخرين، الذين يمثلون عصور التخلف والتراجع الحضاري عند المسلمين، فأصبحت كتبهم هي المراجع المعتمدة، وآراؤهم هي التي تحسم الخلاف.

مفهوم التجديد:
أما التجديد: فهو لا ينافي السلفية، والتجديد الحقيقي لأمر ما لا يعني إلغاءه، واستحداث شيء جديد مكانه، بل يعني العودة به إلى ما كان عليه يوم إنشائه وظهوره لأول مرة. كما نعمل في تجديد أي مبنى أثري عريق.
وكذلك (تجديد الدين): أن نحافظ على جوهره ومعالمه، وخصائصه، ومقوماته، ونعود به إلى ماكان عليه يوم ظهوره، وبزوغ فجره على عهد رسول الله(ص)، وخلفائه الراشدين.
التجديد الحق يعني العودة إلى (الإسلام الأول)، قبل أن تشوبه بدع المبتدعين، وتضييقات المتشددين، وتحريفات الغالين، وانتحالات المبطلين، وتأويلات الجاهلين، وعدوى التشويه التي أصابت الملل والنحل من قبل.
و(الإسلام الأول): هو إسلام النقاء والسهولة في العقيدة، وإسلام الإخلاص واليسر في العبادة وإسلام الطهارة والاستقامة في الأخلاق، وإسلام الوضوح والتجديد في الفكر، وإسلام الاجتهاد والمرونة في التشريع، وإسلام العمل والإنتاج للحياة، وإسلام التوازن بين الدنيا والآخرة، وإسلام الاعتدال بين العقل والقلب، وإسلام الوسطية بين الفرد والمجتمع.
المهم هنا: ألا نجمد وننغلق، فتجمد الحياة معنا، ونظلم ديننا وأنفسنا، وألا ننفرط ونتسيب، فنضيع هويتنا وخصائصنا، ونذوب في غيرنا، فالاجتهاد اليوم فريضة وضرورة: فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع.
على أن من اللازم: أن يكون الاجتهاد من أهله في محله، لا أن يفتح بابه لكل دعي يقول على الله مالا يعلم، ولا أن يدعي الاجتهاد في (المنطقة المنغلقة) منطقة (الثوابت) التي لا تقبل الاجتهاد، والتي تحفظ الأمة من التفكك والذوبان.
الخلاصة: أن التجديد الحق لا يكون إلا سلفيا، والسلفيّة الحقة لا تكون إلا مجددة.

نحو فقه جديد:
ومن أهم عناصر التجديد لديننا وأمتنا، هو: ما دعوت إليه في كتبي(31) . ومحاضراتي في شتى المحافل، فقد دعوت وألححت في الدعوة إلى "فقه جديد" يتبناه الدعاة الصادقون، والعلماء المصلحون، وتتبناه الحركة الإسلامية العالمية، المعبرة عن آمال الأمة الإسلامية.
ولم أقصد بكلمة "الفقه" المعنى الاصطلاحي المعروف عند المسلمين، والذي ألفت فيه الكتب، وتأسست عليه المذاهب، وأنشئت له كليات، وأقيمت له مجامع، وهو: العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، فهذا الفقه موجود، وإن كان يحتاج إلى تجديد وإحياء وتطوير، حتى يكون "فقهاً ميسرا معاصراً" يفي بحاجات الأمة، ومطالب حياتها المتجددة.
ولكن الفقه الذي عنيته: يشمل تجديد هذا الفقه، كما يشمل الفقه بالمفهوم القرآني، الذي نفاه القرآن عن المشركين وعن المنافقين، فوصفهم بأنهم قوم (لا يفقهون)، وجاء ذلك في القرآن المكي قبل أن نشرع الأحكام العملية، التي هي موضوع الفقه الاصطلاحي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الإسلام منهج وسط للأمة الوسط
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى أوقاف الانبـــــــار الثقـافــــي :: الفئة الأولى :: نشاطات متنوعة والاعلانات الخاصة بالمنتدى-
انتقل الى: